الأحد، 7 يونيو 2015

{وتثبيتًا من أنفسهم}

قرر الشافعي -رحمه الله- أنه لاتكفي نية السفر لجواز القصر بل لابد من الأخذ في السفر والشروع فيه لغة وعرفا فقال في الأم[359/2] :-

«...الرجل لا يقصر بنية السفر دون العمل في السفر، فلو أن رجلا نوى أن يسافر فلم يـُـثْـبِت به سفره لم يكن له أن يقصر. قال: ولو أثبتَ به سفره ثم نوى أن يقيم أتم الصلاة. ونية المقام مقام؛ لأنه مقيم وتجتمع فيه النية وأنه مقيم.
ولا تكون نية السفر سفرا لأن النية تكون منفردة ولا سفر معها إذا كان مقيما. والنية لا يكون لها حكم إلا بشيء معها»
وقال أيضا [364/2] :-
«ولا يقصر بنـيّة السفر حتى يثبت به السير»
ثم قال في آخر الباب:-
«...وهكذا لو عُزِل أميرُ مكة فأراد السفرَ أتمّ حتى يخرج من مكة وكان كرجلٍ أراد سفرًا ولم يسافر.»

قلتُ:-
(الإثبات) في كلام الشافعي لا يخالف (التثبيت) الذي في الآية، ومعلومٌ أن أثبتَ وثبّتَ معناهما واحد وهو تعدية الفعل اللازم (ثَـبَـتَ) إلا أن فعّل زمنها أطول وفيها قوة ليست في أفعل، كما في (أنزَلَ)و(نزّلَ) و (أنجىٰ)و(نجّىٰ)، وهو أمرٌ شائع مطّردٌ في اللغة، حتى قال الزمخشري في أساس البلاغة في مادة (ترح): «وأَتْرَحَه وتَرَّحَه: أحزنه.»
«وكان ﷺ إذا عمل عملا  أثـبـَـتـَـه» أي: داوَمَ عليه فلم ينقطع هذا العمل، وتثبيت الأقدام عند اللقاء فلا تزول عن مواضعها من شدة القتال.
والمصادر تأتي مؤكِّدة ولا يُشترط مطابقتها لصيغة الفعل المذكور كما قال تعالى:﴿وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فلم يقل(تَبَتُّلا)،
فالتثبيت يصح استعماله مصدرا مؤكدا لِـ (أثبتَ) فأقول أثبتَه تثبيتا، ولاشك أن كل مؤمن تحدثه نفسه بالبذل والإنفاق إذا رأى حاجة اخوانه المسلمين، ولكن هل يُثبت من نفسه هذا الخاطر تثبيتا حتى يصير همّا يُهِمّه؟ ثم هل يُثبت من نفسه هذا الهمَّ تثبيتا حتى يصير عزما جازما على البذل؟ ثم هل يُثبت من نفسه هذا العزم تثبيتا حتى يُقْدِم عليه إقداما ويُمضيه حتى يخرجَ المال من يده راضيةً نفسُه مطمئنة إلى حسن الإخلاف وعظيم الثواب من الله تعالى، هذا الإجراء النفسي الخفي من تثبيت العزم على الإنفاق والثبات عليه حتى خروج المال من اليد !   ‏‎﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾
وإلىٰ هذه الحالة النفسية أشار الشاعر فقال:-
                                   ودون الندىٰ في كل قلب ثـنـيّة
                                                         لها مصعد وعر ومنحدَر سهلُ ! 
لقد اطلع الله على قلوب المؤمنين أثناء هذا التثبيت والثبات فنوّه به وأشاد؛ لأنه على الأنفُس من أشد الجهاد فقد خُلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الخير منوعا، ولو كان يملك خزائن ربه إذن لأمسك خشية الإنفاق، والشيطان يعدنا الفقر ويُرجف بنا عند التفكير في الصدقة والإنفاق، فلاشك أن البذل وإخراج المال من اليد نوع من الشجاعة والثبات، وباب من التوكل على الله والثقة بوعده في الإخلاف وحسن الثواب.

والله تعالى أعلم.


في التفسير الوسيط <تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر>


وهذا هو القول الذي اختاره ابن جرير وابن عطية فإن اليقين هو الباعث علىٰ صدق العزم والثبات في أمر الإنفاق. 
أما "تثبيت الأجر والثواب" فهو داخل في قوله تعالىٰ: ﴿ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱلله..﴾  فلايتضمن إضافة كبيرة للمعنىٰ.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق